حكايةُ الحكمة
رَنَّ الجَرَسُ
المَدْرَسِيُّ بصوتٍ مُرتَفِعٍ لِيَخرُجَ كلُّ التَّلامِيذِ مِن الفُصُولِ فَرِحِينَ
بالفُسحَةِ، خَرَجتُ أنا وصديقي هونر، وبعد ثوانٍ قليلةٍ لحقت بنا أختُنا لانا
وصديقتُها أسيل، تَوجَّهنا مُسرِعِينَ إلى فِناءِ المَدرَسَةِ، عِندَ الشَّجَرَةِ
الكَبِيرَةِ التي يَمْتَدُّ جِذْعُهَا الضَّخمُ لِنَستَطِيعَ أَنْ نَستَنِدَ إليه
نَحنُ الأَربَعَةُ، على مَقَاعِدَ خَشَبِيَّةٍ صَمَّمَتْهَا المَدرَسَةُ تَصمِيمًا
تَستَشعِرُ به أنَّ المِقعدَ مُتَّصِلٌ بالشَّجَرَةِ.
كانت الشَّجَرةُ
أَمامَ المَبنَى مُباشرةً، نَستَطِيعُ أَنْ نَرَاهَا بِوُضُوحٍ مِن الفَصلِ،
سَأَلَنِي هُونَر وأنا أَنظُرُ إلى الفُصُولِ:
مَن الذي سَيَحكِي قِصَّةَ اليَومَ
يا أَحمد؟!
فَقُلتُ له:
مَنْ حَكَى لنا أَمْسِ؟!
فقال: أَنَا.
فقلتُ: سَأَحكِي أنا اليوم إذًا.
وافَقَتني
لانا وأسيل أيضًا، فَكَّرتُ قليلًا، كانَتْ حِكَايَةُ هونر أَمْسِ حِكَايَةً
جَمِيلةً جِدًّا، لَقَد حَكَى لَنَا بِاختِصارٍ كيف استَطَاعَ أَنْ يُحضِرَ
هَدِيَّةً بَسيطةً لِأُمِّهِ في عِيدِ مَولِدِها، وكيف قابَلَتْ أُمُّهُ ذلكَ
بالتِّرحَابِ والفَرَحِ والسُّرُورِ، وكيف شَجَّعَهُ والِدُهُ على ذلك، ودَعَا
لَهُ بالخَيرِ والسَّعادَةِ والتَّفَوُّقِ، لقد أَخبَرَهُ صاحِبُ مَحَلِّ
الهَدَايَا أَنَّهُ بَارٌّ بِوالِدَيهِ، وأنَّ بِرَّ الوالِدَينِ ثوابُهُ
الجَنَّة، وأنَّ اللهَ يُحِبُّ مَنْ يُكرِمُ والِدَيهِ.
كان شُعورُ هونر بالعَطَاءِ جميلًا ومُرِيحًا، لقد وَجَدَ السَّعادةَ في قَلبِهِ
بِشُعُورِهِ بِرِضَاهُمْ عنه، ورِضَا اللهِ كذلك.
لقد تَعَاهَدْنَا
نَحنُ الأربعةُ أَنْ نَجلِسَ كُلَّ يَومٍ في هذا المَكَانِ وَيَحْكِي أَحَدُنا
قِصَّةً جَمِيلةً، أو مَوقِفًا لَطِيفًا مَرَّ بِهِ أو شَاهَدَهُ في اليَومِ
السَّابِقِ، قلتُ لَهُم، وقد أَسنَدتُ رأسِي إلى الشَّجَرَةِ:
- عِندَ عَودَتِي مِن المَدرَسَةِ، قابَلَنِي أَحَدُ جِيرانِنا عند المِصعَدِ، قال
لِي: ساعِدْنِي يا وَلَدِي. كان رَجُلًا كبيرًا، وكان يَستَنِدُ إلى عَصَا مَعْدَنِيَّةٍ،
وَقَفتُ بِجِوارِهِ، حاوَلتُ مُساعَدَتَهُ حتَّى وَصَلتُ بِهِ إلى المِصعَدِ،
أَذكُرُ جَيِّدًا نَظرةَ الفَخْرِ التي رَاَيتُها في عُيونِ أُمِّي، والدَّعَواتِ الكثيرةَ
المُبارَكَةَ التي دَعَا لِي بِهَا جَارُنا،
وكانَت مُفاجَأةً كبيرةً حِينَ قَدَّمَ لِي أَبِي كِتابًا اشتَرَاهُ لِي، شَعَرتُ
وَقتَها أنَّ اللهَ يُكافِئُنِي عَلَى مُساعَدَتِي لِجارِنَا. ما رَأيُكُم يا
أَصدِقَاءُ؟
قال هونر:
- جَمِيلٌ جِدًّا يا أحمد.
وهتفت لانا:
- رائِع.
وأضافَت أَسيل:
- جَمِيلٌ حَقًّا.
شَكَرتُ أَصدِقَائِي عَلَى تَشجِيعِهم لِي، وَأَشَرتُ إلى لَوحَةِ القِيَمِ
الإِلِكترُونِيَّةِ المُعَلَّقةِ أَعلَى مَدخَلِ المَبنَى الذي فيه فَصلُنا،
وقُلتُ:
- هذه هي الحِكمَةُ اليَومِيَّةُ التي تَنشُرُها لَوحَةُ القِيَمِ.
قَرَأَتُ بصوتٍ
مُرتَفِعٍ:
- البِرُّ مِفتَاحُ الرِّضَا.
أَكْمَلْتُ
الجُمْلَةَ، وبَعدَهَا رَنَّ الجَرَسُ مَرَّةً أُخرَى، وانطَفَأَتِ اللَّوحةُ، وأَسرَعَ
التلاميذُ إلى فُصُولِهم، وأَسرَعتُ مع أصدقائي لِنَعودَ لِفصولنا، تَارِكِينَ
الشَّجَرَةَ في انتِظَارِ حِكَايةٍ جَدِيدَةٍ.
Comments
Post a Comment